احتفلت الحركة التعاونية العالمية هذا العام باليوم الدولي للتعاونيات تحت شعار يحمل في طياته جوهر البقاء الإنساني “التعاونيات من أجل عالم يسوده السلام” وفي فلسطين، حيث يواجه المجتمع سياقاً استعمارياً معقداً يفرض قيوداً خانقة على الأرض والموارد والحركة، يصبح مفهوم السلام مرادفاً للصمود الاقتصادي، والسيادة على الغذاء، والعدالة الاجتماعية والبيئية.
استناداً إلى دراسة مسحية شاملة أجراها معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) بتمويل من مؤسسة وي إيفيكت السويدية، وشملت 32 جمعية تعاونية في الضفة الغربية، يتضح أن بناء السلام المستدام يبدأ من تمكين المجتمعات المحلية، وتعزيز شمولية النساء والشباب، وتبني ممارسات خضراء تحمي الأرض والمستقبل.
فقد أظهرت النتائج أن التعاونيات الفلسطينية تمتلك بنية مؤسسية واعدة؛ إذ ان 91% من الجمعيات تطبق ممارسات حوكمة قوية أو قوية جداً، فيما تمتلك 29 جمعية (أي 90% تقريباً) مقرات دائمة وتعقد اجتماعات هيئاتها العامة بصورة منتظمة، مما يعكس بنية ديمقراطية تعزز المشاركة والشفافية والمساءلة. كما أظهرت الدراسة أن 53% من الجمعيات توفر فرصاً متكافئة للنساء في الوصول إلى الموارد والمشاركة في الأنشطة، بينما مشاركة الشباب في مواقع القيادة وصنع القرار لا تتجاوز نسباً محدودة، الأمر الذي يستدعي تطوير سياسات تفتح أمامهم مسارات قيادية واضحة. أما على الصعيد البيئي، فقد تبين أن 3 جمعيات فقط (%9) تطبق بالفعل مبادرات لإدارة النفايات وإعادة التدوير، فيما عبّرت جمعيات أخرى عن التزامها بخطط مستقبلية للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، بما يعزز استدامة الأنشطة الزراعية ويخفض التكاليف التشغيلية.
ومع ذلك، تواجه التعاونيات تحديات جسيمة تهدد مرونتها واستدامتها. فالقيود الجيوسياسية المفروضة من الاحتلال تحد من الوصول إلى الأراضي الخصبة ومصادر المياه، وتضاعف تكاليف الإنتاج. كما تكشف الدراسة عن فجوة تسويقية كبيرة، حيث لا تمتلك سوى 3 جمعيات من أصل 32 (9%) عقوداً رسمية مع المشترين، مما يجعل معظم المبيعات رهينة أسواق محلية محدودة وغير مستقرة. إضافة إلى ذلك، تعمل 17 جمعية (53%) عند نقطة التعادل دون تحقيق هوامش ربح، ما يبرز الحاجة الملحة لتسهيل الوصول إلى التمويل والائتمان. وتظل مشاركة النساء والشباب مقيدة بعوائق تتعلق بنقص التدريب وضعف العائد الاقتصادي المباشر، وهو ما يحد من انخراطهم الفاعل في قيادة العمل التعاوني.
انطلاقاً من شعار “التعاونيات من أجل عالم يسوده السلام”، تؤكد كل من مؤسسة أريج على أن السلام الحقيقي يبدأ من الأرض، حيث يمثل صمود المزارع الفلسطيني في أرضه وتأمين قوته اليومي خط الدفاع الأول عن السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي. كما أن العدالة الشمولية شرط أساسي للتنمية، فلا يمكن تحقيقها دون إزالة العوائق التي تمنع النساء والشباب من قيادة المرحلة القادمة. أما المرونة المناخية، فقد أصبحت ركناً أصيلاً في الصمود، إذ إن دمج الممارسات الذكية مناخياً والاقتصاد الدائري لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة عملية لمواجهة آثار التغير المناخي وخفض التكاليف التشغيلية.
ولتحويل هذه الرؤية إلى خطوات عملية، هناك حاجة ماسة لتطوير خطة صمود عاجلة تشمل التوصيات التالية لتعزيز صمود الجمعيات التعاونية في فلسطين:
- تحسين جودة المنتجات: رفع مستوى المواصفات لضمان منافسة المنتجات التجارية محليًا وخارجيًا.
- سد الفجوات التسويقية: تطوير هوية بصرية وعلامة تجارية وتنظيم لقاءات تشبيك مع القطاع الخاص.
- تمكين النساء والشباب: توفير مسارات قيادية وتدريبات عملية في المهارات الرقمية والتسويق.
- مأسسة الحوكمة: تحديث اللوائح الداخلية وتوحيد النماذج المالية لضمان الشفافية والمساءلة.
- تعزيز الاقتصاد الدائري: دعم مشاريع خضراء صغيرة لإعادة التدوير واستخدام الطاقة المتجددة.
- خطط إدارة المخاطر: صياغة خطط مكتوبة وقابلة للتطبيق لضمان استمرارية الأعمال في مواجهة الأزمات والقيود المفروضة.
ويجدد معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) التزامه بالعمل مع الشركاء الوطنيين والدوليين لدعم وتطوير القطاع التعاوني الفلسطيني، انطلاقاً من إيمانه بأن الاستثمار في التعاونيات هو استثمار في الصمود، والتنمية العادلة، والسلم الأهلي، والسيادة الوطنية
